محمد ابو زهره

937

خاتم النبيين ( ص )

ولما ارتحلوا وأخذوا يستقيمون على الطريق بعد هذا الفتح المبين ، والنصر المؤزر ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « آيبون عابدون ، لربنا حامدون » . وقيل لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ادع على ثقيف ، فقال نبي الرحمة : « اللهم اهد ثقيفا وأت بهم » . ويروى أنه صلى اللّه تعالى عليه وسلم اتبعه في أثره عروة بن مسعود حتى أدركه قبل أن يدخل المدينة المنورة مسلما ، وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم : كما يتحدث قومك أنهم قاتلوك . وعرف رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم أن فيهم نخوة الامتناع الذي كان فيهم ، فقال عروة : يا رسول اللّه ، أنا أحب إليهم من أبكارهم ، وكان حقيقة مجابا مطاعا فيهم ، فخرج يدعو قومه إلى الإسلام رجاء ألا يخالفوه لمنزلته فيهم ، فلما أشرف عليهم من مكان مرتفع يدعوهم إلى الإسلام رموه بسهم فقتل ، فقال رضى اللّه عنه : كرامة أكرمني اللّه تعالى بها ، وشهادة ساقها اللّه تعالى إليّ ، فليس في إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع النبي صلى اللّه عليه وسلم قبل أن يرتحل عنكم ، فادفنونى معهم فدفنوه . ويظهر أن قتلهم عروة ، وهو المحبب فيهم ، قد أثر في نفوسهم ، وقد رأوا أن العرب قد دخلوا في طاعة محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وأنهم وحدهم الباقون على عدائه ، ولا قبل لهم به ، ولا بحرب من حولهم من العرب الذين بايعوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأسلموا . لذلك أجمعوا أن يرسلوا إلى رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، فكلموا عبد بن ياليل ، وكان في سن عروة بن مسعود ، وعرضوا عليه ذلك ، فأبى أن يجيبهم ، وقد رأى ما صنعوه مع عروة ، وكانوا هم الذين أرسلوه ، كما يحاولون إرساله ، فخشى أن يفعل به ما وقع بصاحبه ، فقال لهم عبد ياليل : ابعثوا معي وفدا فبعثوا معه ستة ، ووصلوا المدينة المنورة ، فلقيهم المغيرة بن شعبة ، ولنترك الكلام فيما صنعه الوفد ، وما قاله الرسول صلى اللّه تعالى عليه وسلم إلى الكلام في الوفود من بعد ذلك في وقتها من الزمان . وإن كلامنا الآن في وفد ثقيف كلام مبتسر ، ذكرناه لنبين أن ترك النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم غير عاجز ، كان لحكمة عالية ألانت قلوبا بعد شماسها ، حتى إنه يروى أبو داود : أن العيلة الأحمسي واسمه صخر ، أخذ على نفسه عهدا وذمة أن يحمل ثقيفا على مبايعة رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم على الإسلام ، وقد استطاع أن يلين قلوبهم وأن ينزلهم على حكم رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم . وقد كتب صخر هذا إلى رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم يقول له : « أما بعد فإن ثقيفا قد نزلت على ذلك يا رسول اللّه ، وأنا مقبل بهم ، وهم في خيلى » .